رغم ارتفاع كميات السردين المصطادة على طول السواحل المغربية، تواجه صناعة مصبرات السمك مفارقة لافتة تتمثل في تراجع حصة المنتجات الموجهة إلى وحدات التصبير، ما يثير مخاوف مهنية بشأن مستقبل إحدى أبرز حلقات تثمين المنتجات البحرية بالمغرب.
وتبرز معطيات الاتحاد الوطني لصناعات مصبرات السمك «UNICOP» الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لهذا القطاع، الذي يضم 37 مقاولة، ويوفر نحو 37 ألف منصب شغل مباشر، إضافة إلى أكثر من 120 ألف منصب شغل غير مباشر، بما يجعله مكوناً أساسياً في منظومة الصناعات الغذائية والبحرية بالمملكة.
وعلى مستوى التجارة الخارجية، حققت صادرات قطاع مصبرات السمك حوالي 4.8 مليارات درهم خلال سنة 2025، وامتدت إلى أكثر من 130 دولة، فيما يستحوذ المغرب، وفق المعطيات المهنية، على نحو 66 في المائة من المصيد العالمي لسمك السردين «Sardina pilchardus»، على امتداد سواحل وطنية تناهز 3500 كيلومتر.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تخفي، بحسب المهنيين، اختلالاً متزايداً بين حجم المصطادات والكمية التي تصل إلى وحدات التصبير.
ففي الوقت الذي ارتفعت فيه مفرغات الأسماك السطحية الصغيرة بنسبة 14 في المائة، وسجل صيد السردين ارتفاعاً بنسبة 68 في المائة، تراجعت الكميات الموجهة نحو وحدات التصبير بنسبة بلغت 32 في المائة.
وتزداد حدة المفارقة عند مقارنة حصة المفرغات الموجهة إلى قطاع التعليب؛ إذ تراجعت حصة السردين من 30 في المائة إلى 17 في المائة، بينما انخفضت بالنسبة إلى الأسماك السطحية الصغيرة من 25 في المائة إلى 13 في المائة.
وتضع هذه الأرقام صناعة المصبرات أمام تحديات مرتبطة بتأمين المادة الأولية واستدامة التزويد، خصوصاً أن استقرار الوحدات الصناعية يرتبط بشكل مباشر بانتظام تدفق الأسماك الموجهة للتصبير، باعتبارها الحلقة الأساسية في عملية التثمين والتحويل.
ويحذر المهنيون من أن استمرار هذا التراجع قد ينعكس على تنافسية القطاع وعلى قدرته الإنتاجية والتصديرية، فضلاً عن تأثيراته المحتملة على آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بسلاسل الإنتاج والتوزيع والخدمات.
وتطرح هذه المعطيات، في المقابل، سؤالاً أساسياً حول كيفية تحقيق التوازن بين مختلف قنوات تسويق وتثمين المصطادات، بما يضمن استدامة الموارد البحرية من جهة، ويحافظ على النسيج الصناعي المرتبط بتحويل المنتجات البحرية من جهة أخرى.
وبين وفرة السردين في البحر وتراجع حصته داخل مصانع التصبير، تجد الصناعة الوطنية نفسها أمام معادلة تحتاج إلى معالجة دقيقة ومتعددة الأطراف، تضمن تثمين الثروة السمكية محلياً، وتحافظ على مكانة المغرب في الأسواق الدولية، وتؤمن في الوقت ذاته استدامة النشاط الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بصناعة المصبرات.

















