لتلك المسيرة الخالدة أسرار ، كُتِبَت بعرق الأخيار ، وبقوا حتى اللحظة وراء الستار ، ما طالبوا باعترافٍ للجميلِ مما في الدولة المغربية من الكبار ، ولا انحازوا لزاويةٍ تجمعُ الصغار ، يزحف النسيان ليمسحهم من ذاكرة سِجِلِّ ضَمَّ مَن رَغِبَ المكلف بالاختيار ، ليتحمَّل مسؤولية عدمِ الدِّقة ويكون الآن محطَّ طلبِ الاعتذار ، ما دام الزمن كفيل بإعادة ما لكل مستحقٍّ ذاك المِقدار ، وهو الأسمَى مِن كل وسامٍ أو منفعة حُرِمَ منها بإيعاز أهل دار ، ما فكروا أن دنيا شهادة الباطلِ مصيرها انفلات المِعيار ، لتصبح للذكرى مثار استنفار ، لتصحيح موازين تيار ، ظلَّ لأعوامٍ يتغذى على ادعاءاتٍ لا تُعبِّر عن مصداقيةِ وَقار ، الْتَحَفَ به البعض لتغطية اندفاعهم لحصد ما زرعه غيرهم من هؤلاء الأحرار ، الذين فقدوا ما يملكون سبيل حبهم للوطن ليس داخله ولكن في المَهجر .
للقصة بداية مضمونها لأول مرة معرَّضة للنَّشر فالانتشار ، فصولها تسلِّط الأضواء على أحداث ظلت في طي الكتمان لتضمن النجاح على قمة الاستمرار ، نزولا لرغبة ما سيلحق بعدها من فهمٍ أكيدٍ يفرق بين المخلصين الأبرار والمستغلين الأشرار ، وكل ما في القصة حقيقي والإدلاء بما تحقق منها على مراحل لا يتطلب الاختصار ، بل الوقوف مع كل جملة من جمل صفحاتها المرتبة في كتاب ” لن تحصدني لأني زرعتك ” أولا بأول ، مؤلفه وبطله في آن واحد العبد لله “مصطفى منيغ” ولا أحد من الغير .
إن المغربي في انتمائه لبلده ، مغربي يبقى حتى وهو يحيا ، أصعب الظروف وأخطرها على حياته ، يستصغر الصعاب ويُفتِّت سماكة اليأس ، ويُبَخِّر هواجس الخوف ليندثر من حياله بلا هوادة ، ويزرع في كل خطوة إلى الأمام بصمة الرجولة الموروثة عند المغاربة أباً عن جد . وحينما أعود بالذاكرة لتلك المواقف الرهيبة ، أفهم عمق الحب الكبير الذي يحمله الإنسان لوطنه ، فلا الشدائد تصْرِف المخلص عن مبتغاه ، ولا العذاب ينسيه استمرارية النضال ، ولا المُغريات المادية تقدر على إيقاف الواهب كيانه ووجوده فداء لوطنه . قمنا بواجبنا و نقشناها جملة مقروءة على جبين الجزائر “المسيرة الخضراء” ن حينما إرادتها هذه الدولة الجارة (بواسطة المعزوزي وزير العمل في حكومة الهواري بومدين وكاتب ياسين الكاتب والأديب الجزائري الشهير والأجهزة المخابراتية الثلاث) حمراء .
… الهدف تجلى أقوى وأمتن خارج هذا الوطن إذ كانت المبادئ راسخة في الوجدان ، والعقل متحمِّس لمواجهة كل المغريات بما يحتفظ من عهود هي أساس هذا الترابط وهذا التلاحم بين المواطن ووطنه ، والمسيرة الخضراء تتجلى عظمتها في منح الفرصة الثمينة لجيل ما بعد الاستقلال ليخلِّد اسمه في معركة استرجاع جزء من أرض الوطن ، كما خلَّد جيل ما قبل الاستقلال في معركة طرد المحتلين أرض الوطن .
مرَّت الأشياء كما توقَّعتُ ، وتمَّ العناق الحار بيننا نحن الثلاثة (مصطفى منيغ ، بنيحيى العزاوي ، ويوسف بلعيد) ، وكانت البسمة هذه المرة من القلب تملأ فضاء ذاك المكان بأحلى ما يتمناه المرء من لحظات ، وهل هناك أحلى من الخروج إلى النور لتتراءى أمامك الأشياء جميلة ممتعة تنسيك عذاب المسير وارتعاش الخوف وهلع الحواس ؟؟؟ ، هل هناك أحلى من الرجوع سالماً وأنت تشعر أنك أديت ما يرضي ضميرك اتجاه وطنك ،
وما يجعلك تفتخر حتى لنفسك أو صحبة ذويك أو عائلتك الصغرى وهي تصفِّق لك برموش عيونها إعجاباً وتقديراً لما قدَّمت وأنجزت ؟؟؟ ، هل هناك أحلى حينما تتأكد فعلاً أنك وفيت بالعهد ومنحتَ بنفسك المثال الحي للآخرين الذين سلَّموا أنفسهم لتسير بهم حيث قرَّرتَ وتنجح أخيرا في الوصول بهم إلى الهدف ؟؟؟ ،
لا أعتقد أن هناك أحلى من هذه اللحظات و صدورنا تعاود استنشاق روائح تربتنا المغربية الطاهرة ، وقد أتت علينا سويعات اقتحمنا فيها اليأس للتفكير (مجرد تَفَكُّر) أن ذلك لن يكون ، لكن المُجاهِدَ الحق في جهاده ، والمناضل الصادق في نضاله يصارع اليأس ويقذف به وبسرعة عن طريقه ، لأن إرادة الصمود في عقله أقوى من أن يأخذ منها أي مأخذ ، وحينما أعود للذاكرة لتلك المواقف الرهيبة ،
أفهم عمق الحب الكبير الذي يحمله الإنسان لوطنه ، فلا الشدائد تصرف المخلص عن مبتغاه ولا العذاب ينسيه استمرارية النضال ، ولا المغريات المادية تقدر إيقاف الواهب كيانه ووجوده فداء لوطنه . أشياء بقدر ما هي أحاسيس شخصية بقدر ما هي عامة ، تربط الناس بعضهم ببعض ، إن كانوا مؤمنين بأن الوطن في حاجة إليهم حقاً حيث يوجدون ، مهما كانت مواقعهم دون أمر صادر عن مسؤول ، ودون مهمة خاصة أو غير خاصة مُسندة
إليهم ، لأن القضية أكبر من الأوامر ن وأسمى من المهمات ،
إنها قضية وطن بكل ما ترمز اليه كلمة “قضية” من أرض وشعب وكرامة ومستقبل . إلى هذا الحد كنا مقدِّرين تلك المسؤولية التي حملناها على عواتقنا ، لذا ما استغربت ذهول هؤلاء المسؤولين ، تعلَّق الأمر بالسيد “محمد الدُّبِي القَدْمِيرِي” العامل (المحافظ) السابق لإقليم(محافظة) وجْدَة ن أو السيد “بناني” رئيس الأمن الإقليمي ساعتها 31 أكتوبر 1975 ، أو رئيس الشرطة المنشغلين بأخطر نقطة حدودية “زُوجْ بْغَالْ”ن والتوتر بالغ أوجه بين الجزائر والمغرب ، أو السيد السوسي من المخابرات المغربية ن وغيرهم ممن أحتفظ بأسمائهم لشرح قادم إنشاء الله .

